منتدى غليزان

منتدى غليزان
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 في غزة .. الأحياء أيضاً مأواهم المقابر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
حسام فنال

avatar

عدد المساهمات : 68
نقاط : 3288
السٌّمعَة : 3
تاريخ التسجيل : 05/11/2009
العمر : 21

مُساهمةموضوع: في غزة .. الأحياء أيضاً مأواهم المقابر   الأحد ديسمبر 20, 2009 12:05 pm

الغرابة تختفي في قطاع غزة، وكل شيء بات متوقعا، ورغم عدم التصديق من وجود بشر أحياء يعيشون داخل المقابر إلا أن "إيلاف" أزاحت كل الشكوك حول هذه الظاهرة، ورصدت عدستها هؤلاء الناس الذين لم يجدوا مكانا يعيشون فيه سوى مجاورة الأموات، في ظل أوضاع إقتصادية صعبة، لعيش الأطفال مع جثث الموتى ويشاهدون يوميا المزيد من عمليات الدفن وتعلق المزيد من المشاهد المتراكمة في ذاكرتهم.

غزة: في طريقك إليهم أكثر شيء يلفت انتباهك شواهد القبور المطلة من خلف السور متوسط الارتفاع، لتدرك سريعا أنك في مقبرة حيث لا يوجد إلا الأموات....لكنك سرعان ما تتوقف عن الإيمان باستنتاجك الأول عندما تسرق نظرك تلك الملابس الملونة المرمية على حبلٍ مشدود لتجف، لتدقق النظر فترى ألواح "الزينكو" المتعاضدة لتصنع ما يشبه البيت وبعض الدجاج والإوز تقفز من قبر إلى آخر...تقترب من عجوز في الثمانين من عمرها تجلس على ما يشبه الباب، تتأمل القبور.

لا..إنك لا تقرأ قصة في الدراما الاجتماعية لأحد كتاب هذا اللون الأدبي، لأن هذا بالضبط وصف لحياتهم.


زارت "إيلاف " هذه المنطقة والتقت "أبو محمد" المعيل الوحيد لأسرة كبيرة العدد تقطن في مقبرة "المعمداني" المقبرة الواقعة بجوار ميدان فلسطين وسط المدينة منذ 25 عاما، حيث يُعيل أسرة تتكون من أب وأم و زوجة وثمانية أطفال، في بيت يتكون من ثلاث غرف صغيرة , بيتهم عبارة عن ألواح من الزينكو المتراصة ،في الشتاء يغرق البيت والملابس والأطفال وكل شيء يغرق بمياه المطر وكأنك في الشارع تلتحف السماء ولا يوجد ما يحميك من مياه المطر.

قال والحزن يعلو ملامحه :" ولدت ووجدت نفسي بين الأموات وبيتي وسط هذه المقبرة... صور الموتى الذين كنت أحضر دفنهم لم تغادر خيالي حتى الآن وأولادي يرون كل يوم هذه المشاهد،عدا عن صور العظم والهياكل العظمية التي يجدونها في القبور وكذلك جثث الشهداء المقطعة".

وتابع "نحن لا نحيا بين القبور فحسب بل هناك في صالون البيت يوجد سبعة قبور"
قاطعه ابنه محمد بالحديث قائلا :" لم أكن أتمنى شيئاً في حياتي غير إتمام دراستي وحياة كريمة، لكن القدر أبى أن يمنحني شيئاً من أمنياتي البسيطة".
ويكمل:" سكان المنزل ينظرون منذ سنوات طويلة عبر شقوق الجدران إلى العمارات الفخمة في مدينة غزة وينتظرون أملا لم يأت، وحين يمر سكان غزة بالمكان لا ينتبهون إلى الأحياء الذين يولدون ويموتون في مقبرة وتلازمهم جثث وعظام الموتى طيلة حياتهم"

ويضيف أبو محمد استكمالاً لما تحدث به محمد "غير أننا نعيش ظروفا غير إنسانية في المقابر وسط الموتى إلا أن أجسادنا يتناوب على تمزيقها الأمراض والثعابين القاتلة المنتشرة في المكان , حيث ثعبان لدغ شابا من سكان هذه المقبرة ولم نستطع السيطرة على سمومه توفي على أثره ودُفن في قبر بجانب بيته , هذا علاوة على الحالات الكثيرة التي تم نقلها للمستشفيات وتماثلت بالشفاء".

"أحسن عيشة , أنا مرتاح مع الأموات أكثر من الأحياء , أن تفيق و أول ما ترى عيناك مشهد القبور أجمل شعور" كلمات تفوّه بها "نافذ " بسخرية من سوء الحال وانقطاع الأمل عنده فهو يقطن في المقبرة منذ 15 عاماً .

قال لـ "إيلاف " نحن هنا نفتقر لكل شيء حتى الحياة الكريمة التي هي من حق كل إنسان , نحن هنا نشبه الأموات بل هم عرفوا نهايتهم وذهبوا إليها إنما نحن نعيش على أمل أن تُحل قضيتنا , لم أتحدث عن نفسي فقط فحسب , فهنا عشرات العائلات تقطن هذا المكان منذ 40 عاماً وأكثر".

أما الحاجة "علياء" تقول : نحن نعيش في القبور والأموات لنا جيران , لماذا نخاف ؟ الأموات هم أفضل لنا من الأحياء على الأقل لا ننغمس بمشاكلهم " حسب قولها, حيث أشارت في حديثها لحالة الانقسام الداخلي.

"أم أحمد" 65عاماً شُرّدت من "المجدل" بلدها التي ولدت فيها والآن تعيش بين القبور هي وعائلتها المكونة من 17 فردا حيث تسكن أم احمد منذ أكثر من أربعين عاماً في المقبرة.
حيث قالت "أم احمد": "هُجّرت بقوة السلاح من بيتي وأرضي إلى مدينة غزة بعد أن اُحتلت أرضنا في المجدل وضاع فيها حقنا ولم نجد مكانا نسكن فيه غير هذه المقبرة، فحينما شُرّدنا من أرضنا أخذنا نتنقل في السكن في مدينة غزة لمدة عشر سنوات بعد ذلك استقر بنا الحال في هذه المقبرة والتي لم نجد مكانا سواها".


وأوضحت "أم أحمد" أن الأرض التي تقيم عليها مع عائلتها هي ارض للأوقاف وهذه الأرض هي لدفن الموتى مشيرة إلى أنها لم تجد بديلا آخر من المقبرة هي وعائلتها للعيش فيه.
وأوضحت "أم أحمد" أن أبناءها يعانون جميعاً من حالة نفسية صعبة وأنهم حرموا من ابسط حقوقهم وهي الاستمتاع بطفولتهم حيث إنهم تحملوا معي المسؤولية منذ صغرهم فعرفوا معاناة العمل والبحث عن لقمة العيش مشيرة إلى أنهم لم يدخلوا مدارس ولم يتعلموا ولو لشيء بسيط وقالت "إنهم يعانون الآن حالة نفسية تظل عالقة في أذهانهم حيث إن هذه الحالة تؤثر في تصرفاتهم في الحياة الاجتماعية وكأنهم أخذوا على الحياة مع الموتى لا مع الأحياء فهم في حالهم هذه يعتبرون موتى حيث إنهم لا يملكون بيتاً ولا علماً ولا حياة كريمة ".

وقال"خالد" 14 عاماً نحن نقطن البرية ولا نخاف ونذهب بالليل متأخرين لنقضي مشاويرنا ونلعب وأذهب لمدرستي "وأشار لتفوقه بدراسته رغم ظروفهم الصعبة "

وأضاف " الناس ينظرون لنا على أننا أقل من مستواهم وينادوننا بـ " أولاد المقابر " هذا يزعجني ويخجلني بعض الأحيان ولكن قدري أن أعيش هنا آملين أن يتغير الحال ".

السكن في المقابر ظاهرة منتشرة في كثير من المجتمعات. ولكن في قطاع غزة تتحول الظاهرة إلى مأساة داخل المأساة.

فعلاوة على الحصارِ الإسرائيلي وجراحِ الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على سكان القطاع تُضطر العشراتُ من عائلات غزة إلى مزاحمة الموتى والعيش بجوار قبورهم.. فالحياة ليست سهلة ، هنا كل شيء يذكرهم بالموت ، وتُسرق منهم حتى لحظات إحساسهم بالحياة.

وكلما أرادوا الخروج من المقبرة اصطدموا بجدران الفقر ، والتهديد المباشر بطردهم من مأوى لا يليق بحياة الآدميين ، فيما يحلمون حلما وحيدا ، أن يكبر أبناؤهم خارج أسوار المقبرة ، وأن يحلموا بمكانة اجتماعية أفضل ، في مكان صغير يتسع لأبنائهم ، ولو في بيت من طين.

في غزة أحلام الناس صغيرة على عكس همومهم ، هكذا فرض عليهم الفقر والحصار والحرب ، أن يحذروا كثيرا من الأحلام غير القابلة للتحقق إلا بمعجزة نتمنى حدوثها.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
في غزة .. الأحياء أيضاً مأواهم المقابر
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى غليزان  :: أحوال الناس-
انتقل الى: